المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كي لا يصير تمرنا...شيصاً !!


أبو زيودي من العاصمة
17-05-2009, 11:50 PM
سلامٌ على الأفاضل
وجدت من السطور ما يستحق القراءة
ليس لانه حوار
بل لأنه عام التوجه
متزايد العموم في توجهاته
فيه بذرة للعقل كي يفكر
الذي يفكر بطريقة صحيحة يتأمل؛
ليس الكلمات فقط؛
بل ما خلف الكلمات أيضا
ولاننا افرادٌ من أمَّة واحدة
علينا ان نعي القول؛
وما يعنيه القول
وما هو ابعد ايضا من القول
طالما لدينا هدف
وطالما توضح امامنا الهدف
علينا ان نكون اهلا لهذا الهدف
الكلام يطول
والكلام كثير
لكن...
" فأما الزبد فيذهب جفاء
وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض
كذلك يضرب الله الأمثال"

***
عن حديث “أنتم أعلم بأمر دنياكم”(2) :
كي لا يصير تمرُنا شيصاً..!
د.أحمد خيري العمري - العرب القطرية
http://www.alarab.com.qa/details.php...o=452&secId=23 (http://www.alarab.com.qa/details.php?docId=76554&issueNo=452&secId=23)
القراءة العلمانية المتناقضة لحديث:
الحديث الشريف:
“أنتم أعلم بأمر دنياكم”
ستجعلنا نحاول قراءة الحديث من جديد لنتفحص معانيه ودلالاته التي قد لا تتحمل إطلاقا عبء بذرة العلمنة المزعومة..
الحديث صحيح بالتأكيد،
و صيغته الأصح التي وردت في صحيح مسلم هي
“ أَنَّ النبيّ -صلى الله عليه وسلم- مَرَّ بِقَوْمٍ يُلَقِّحُونَ فَقَالَ « لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا لَصَلُحَ ». قَالَ فَخَرَجَ شِيصًا فَمَرَّ بِهِمْ فَقَالَ « مَا لِنَخْلِكُمْ ». قَالُوا قُلْتَ كَذَا وَكَذَا قَالَ « أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ ».
وفي صيغة أوردها الإمام أحمد عن أم المؤمنين عائشة أَنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم- سَمِعَ أَصْوَاتاً فَقَالَ « مَا هَذِهِ الأَصْوَاتُ ». قَالُوا النَّخْلُ يُؤَبِّرُونَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ « لَوْ لَمْ يَفْعَلُوا لَصَلُحَ ». فَلَمْ يُؤَبِّرُوا عَامَئِذٍ فَصَارَ شِيصاً فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ « إِذَا كَانَ شَيْئاً مِنْ أَمْرِ دُنْيَاكُمْ فَشَأْنَكُمَ بِهِ، وَإِذَا كَانَ شَيْئاً مِنْ أَمْرِ دِينِكُمْ فَإِلَيَّ »..
(و الشيص هو التمر الذي لم يتم نضوجه )
و ينبغي هنا أن نسلط عدة إضاءات على الحديث :
1-أن الحديث روي بأسانيد صحيحة عن السيدة عائشة وأنس بن مالك وطلحة، أي إنه على صحته يبقى في خانة أحاديث الآحاد التي على الرغم من أن كونها آحادا لا يعني عدم الأخذ بها ما دام سندها صحيحاً إلا أنها في الوقت نفسه لا يمكن أن تملك دوراً تأسيسياً كما هو ممكن مع الأحاديث المتواترة (معنى ولفظاً) وكما هو من باب أولى مع النص القرآني..
2- أن النص الصحيح خال تماما من عبارة
“أمور دنياكم”
التي تستخدم عادة وخاصة في المنطق العلماني،
والنص الصحيح يحدد
“أمر دنياكم”
والفرق بين المعنيين كبير ويتجاوز مسألة:
“حرف أضيف سهوا”..
فعبارة “أمور دنياكم ” تخدم المعنى الذي يرومه العلمانيون أكثر من عبارة” أمر دنياكم ” التي وردت في السند الصحيح،
علما أني لا أعلم سندا صحيحاً أو ضعيفاً وردت فيه عبارة ” أمور دنياكم” إنما هو مجرد استخدام شاع وانتشر،
ورغم أن الأمر قد لا يكون أكثر من مجرد “سهو” ،
إلا أني أحب أن أنبه هنا إلى أن
... الأستاذ طرابيشي...
كان في منتهى الدقة وهو يحدد أسماء الرواة ويعدد طرق الأسانيد،
و هي الدقة التي فارقته في ذكر نص الحديث..،
و لم يكن الأمر فقط في لقائه مع إسلام أون لاين الذي قد يقبل فيه الخطأ لاعتبارات فنية،
إلا أن الأمر نفسه تكرر في كتابه سالف الذكر..
مما يبعد أمر الصدفة والسهو..
والفرق بين اللفظين كبير،
والاستخدام العلماني يوحي للسامعين ( عموما ) أن الرسول أخبرهم أنهم أحرار في أمور دنياهم، أما اللفظ الصحيح فيتحدث لسامعيه عن أمر ” بعينه ..

3- سياق الحادثة التي وقع فيها الحديث يشير إلى مرحلة مدنية مبكرة غالبا،
ذلك أن الرسول الكريم استغرب صوت التأبير وذلك أمر طبيعي إذا كان حدث في السنة الأولى للهجرة فالمكيّون لا يعرفون هذه التقنيات الزراعية كما جاء في النص الذي أورده الطبراني في معجمه الأوسط :
(قال فتركوا اللقاح فجاء تمر الناس شيصاً قال رسول الله ما أنا بزراع ولا صاحب نخل لقحوا)
ومن المعلوم أن للتأبير فترة محددة (غالباً في بداية الربيع ) والمكي الذي لم يزر المدينة سابقا في هذه الفترة لن يعرف التأبير، لذا لا بد أن يكون الرسول عليه الصلاة والسلام قد سمع صوت التأبير في أول ربيع مرَّ عليه في المدينة ..

4- علينا أن نتنبه هنا إلى أن الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام لم ينهِهم بالضبط عن التلقيح، بل قال “لو لم يفعلوا لصلح “..
أي إنه لم يحدث نهي صريح، وكان لا يتحدث معهم مباشرة بدليل صيغة الغائب المستخدمة،
والأمر هنا هو أنه كان يضع عملهم ضمن إطار السنن العام
وآية:
“وأرسلنا الرياح لواقح “(الحجر 22)..
وكان الهدف من هذا هو تعليم المسلمين عموما ( والأنصار خاصة باعتبارهم من كانوا يقومون بالتأبير، و كانوا أحدث عهدا بالإسلام من المهاجرين)
تعليمهم أن الأمر لا ينتهي عند السنن الإلهية بل على الإنسان أن يستخدمها، أن يستثمرها، بل أن يتجاوز ذلك وصولا إلى أن يكون جزءاً منها..

5- يتضح مما فعله الزراع من ترك التأبير أنهم كانوا يمارسون التأبير دون علم حقيقي وإدراك لما يفعلون أي إن الأمر كان أقرب إلى الصنعة والعادة منه إلى المعرفة العلمية المرتبطة بالملاحظة والتحليل والاستنتاج..
والحقيقة أن أي موعظة أو تنظير لِجَعْلِهم يفهمون الأمر حقا لن تكون بمنزلة الدرس العملي الذي تعلموه عبر خسارتهم التي حدثت في الموسم اللاحق.. ندما لم ينتج نخلهم سوى الشيص..

6-فلنلاحظ هنا مستوى التطور الذي حدث في نمط تفكير الفرد المسلم وخلال فترة وجيزة عبر المقارنة بين ما حدث في التأبير آنفا وما حدث في غزوة بدر عندما سأل أحد الصحابة الرسول الكريم” يا رسول الله، منزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتعداه ولا نقصر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
بل هو الرأي والحرب والمكيدة “..
فتفكير المسلم خلال فترة قصيرة استطاع أن يستوعب الأمر ويطرح أسئلة بهذا العمق في مسائل بهذه الخطورة..
فالصحابي هنا فرّق بين الوحي المُنزَّل القاطع،
و بين “أمر دنيوي ” تفصيلي، يتعلق بوسيلة تنفيذ الأمر القاطع.

7- من كل ما تقدم، يتبين لنا أن عبارة “أمر دنياكم ” الواردة في حديثه عليه الصلاة والسلام تشمل التفاصيل والوسائل التي عزل الرسول الكريم نفسه عنها ما لم يكن صاحب خبرة فيها، بعبارة أخرى الأصل هو المقصد؛
والمقصد هنا هو الخلافة في الأرض؛
وإعمارها؛
والعمل؛
ورفع الإنتاج فيها بشكل يكفي الجميع،
أما وسيلة تحقيق ذلك فهو أمر يتغير من وقت لأخر،
ومن مكان لأخر..
لو أن الحديث جاء في سياق يتعلق بما يتقنه أهل مكة من التجارة لكانوا هم هنا أعلم بأمر دنياهم،
ولو كان الأمر يتعلق بما نفهمه من تقنيات الحاسوب لكنا نحن أعلم به..
الأمر هنا لا يتعلق بالمعرفة بمعناها الشمولي بل بعلم الوسائل والآليات فحسب،
وهكذا فان التلقيح باستخدام الطائرات هو وسيلة أكثر نجاعة من التأبير اليدوي،
وهو في النهاية أمر من أمور الدنيا يعلمه أهل زمان ومكان بعينه..
وكذلك فإن تقنيات التهجين الزراعية هي مما يدخل في وسائل تحقيق المقصد،
وهي بالتالي من أمر دنيوي مما يعلمه أهل الخبرة في زمانهم..
بعبارة أخرى:
الحديث يخص الوسائل والآليات التي تحقق المقصد ويحيلها إلى أهل الخبرة في كل زمان و مكان ما دامت
--- لا تخالف نصا شرعيا محددا---،
و هو ما يجب أن نتذكره هنا،إذ أنه عليه الصلاة والسلام لم ينههم قط عن التأبير..

ولكي نوضح الصورة أكثر،
فإن حفظ القرآن الكريم كان مقصدا شرعيا منذ البداية،
لكن آليات تحقيق هذا المقصد ووسائله تغيرت باستمرار ولا مشاحة في ذلك،
فقد حفظ أولا في صدور المؤمنين، ثم على جريد النخيل، ثم جمع في مصحف واحد، ثم تفنن المسلمون في كتابته بنماذج فنية فريدة، وبقي الوراقون ينسخونه بأيديهم، ثم دخل مرحلة الطباعة التي كانت حجرية أولا ثم صارت حديثة صقيلة، ثم دخل مرحلة الأقراص المدمجة وهاهو اليوم يصير كتابا صوتيا تستطيع أن تنصت له وأنت في طريقك إلى جامعتك أو مدرستك أو عملك.. وكل هذه مجرد وسائل وآليات قصدها عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث.. وأهل كل زمان و مكان أعلم بها من غيرهم..

ضمن هذا الفهم كله لا أجد الحديث يفتح “الثغرة” التي يرجوها العلمانيون في علاقة الإسلام بالدنيا بقدر ما يشدد على تكامل وشمولية العلاقة بينهما..

أكثر من هذا لا أجد في الحديث بذرة العلمنة التي أكد:
--الأستاذ طرابيشي –
وجودها،
بقدر ما أجد فيه بذرة أخرى،
لكنها ليست بذرة افتراضية في نص منعزل ومنفرد، بل موجودة في منظومة النصوص المتكاملة، بذرة تعلمنا كيف تتكامل الوسائل مع المقاصد، كيف نجدد الوسائل من أجل ضمان الحصول على المقاصد..

الحديث في هذا السياق ينبهنا إلى الكيفية التي يمكن من خلالها أن تنمو البذرة لتصير نخلة شامخة تخرج تمراً رطبا جنيا..
بالذات يحذرنا من أن يصير تمرنا شيصاً..
وهو التمر الذي لم يتم نضوجه والذي بلا نواة غالبا..
والشيص لا ينتج إلا عندما نتخلى عن الوسائل،
أو عن تجديدنا لها،..
أو نتركها تماما بانتظار ما لن يأتي..
و بعد كل شيء،
ألم تكن مشاريعنا المعاصرة؛
في أغلبها مشاريع لم تنتج إلا الشيص..
ألم يكن الشيص هو حصاد التجارب المريرة موسماً بعد آخر؟
أليس ذلك منطقيا جدا
بناءاً على ما سبق: هل يمكن أن ينتج غير الشيص من كل ذلك: من ذلك التخلي عن الوسائل والآليات،
أو التخلي عن تجديدها،
أو الاكتفاء بالآليات دون النظر إلى الغايات والمقاصد ،
أو التخلي عن الاثنين معا واستيراد وسائل وغايات جاهزة نتصور أنها يمكن أن تنمو في تربتنا كما فعلت في تربتها الأصلية..
ماذا سوى الشيص يمكن أن ينتج عن ذلك كله..؟
و ماذا سوى أن نعيد النظر بوسائلنا ونتمسك بثوابتنا من أجل أن تثمر مقاصدنا ..
كي لا يكون الشيص حصاد الموسم القادم …


***